محمد متولي الشعراوي

9086

تفسير الشعراوي

قوله : { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } [ مريم : 38 ] أي : أسمع بهم وأبْصِر بهم ، وهذه من صِيَغ التعجُّب على وزن ( أفعل به ) يعني ما أشدّ سمعهم ، وما أشدّ بصرهم ، فهم الآن يُرهِفون السمع ويُدقِّقون النظر حتى إن الإنسان ليتعجب من سمعهم الدقيق ، وبصرهم المحيط بعد أن كانوا في الدنيا يضعون أصابعهم في آذانهم فلا يسمعون ، ويستغشون ثيابهم فلا يبصرون ، كانوا في عَمىً عن آيات الله الواضحات التي تثبت صِدْق الرسل ، وعن الآيات التي تحمل الأحكام ، وعن الآيات الكونية التي تدلُّ على قدرة الصانع الحكيم . وقوله : { يَوْمَ يَأْتُونَنَا } [ مريم : 38 ] أي : أسمع بهم وأبصر بهم في هذا اليوم يوم القيامة ، والإنسان بحكم خَلْق الله تعالى له ، واستخلافه في الأرض جعل له السيطرة على جوارحه فهو يأمرها فتطيعه ، فجوارح الإنسان وطاقاته مُسخّرة لإرادته ، فلسانك تستطيع أنْ تنطقَ ب لا إله إلا الله . كما تستطيع أن تقول : لا إله أو تقول : الله ثالث ثلاثة . واللسان مِطْواع لك لا يعصاك في هذه أو تلك ، وما أعطاك الله هذه الحرية وكفَل لَك الاختيار إلا لأنه سيحاسبك عليها يوم القيامة : أأردتَ الخير الذي وجَّهك إليه أم أردتَ الشر الذي نهاك عنه ؟ أما يوم القيامة فتنحلّ هذه الإرادة ، ويبطل سلطانها على الجوارح في يوم يُنادِي فيه الحق تبارك وتعالى : { لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] يومها ستشهد الجوارح على صاحبها ، وكما قال الحق سبحانه تعالى : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ النور : 24 ] . ويقول تعالى : { وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ } [ فصلت : 21 ] . لم لا ؟ وقد تحررتْ الجوارح من قَيْد الإرادة ، وجاء الوقت لتشتكي